مجد الدين ابن الأثير
57
المختار من مناقب الأخيار
هذه الطّائفة ، فدخلت عليه الدّنيا ، ففسخت عليه عقده ، فرجع يستدعي تلك الأحوال بأسباب يريد إدخال الرّفق عليهم ، وعامّتها موقوفة على إرادته ، لا واللّه ، أو يخرج الرّغبة فيها عن قلبه إخراج يده عن ملكه . وقال : فقدت قلبي منذ عشرين سنة مع اللّه عزّ وجلّ ، وتركت قولي للشيء كن فيكون منذ عشرين سنة مع اللّه تعالى . فسئل بعض المشايخ عن معنى هذا الكلام ، فقال : كان ممشاذ يرجع إلى قلبه ، ثم يرجع بقلبه إلى اللّه تعالى ، فصار يرجع إلى اللّه تعالى باللّه ، ففقد قلبه مع اللّه ومعنى قوله : تركت قولي للشيء كن فيكون : أنّه كان مجاب الدعوة كلّما دعا أجيب ، ثم ارتفع عن ذلك إلى اللّه ، فصار بمراد اللّه لا بمراده ، فترك الدّعاء . وقال بعضهم : كنت عند ممشاذ الدّينوريّ ، فقدم عليه فقير فسلّم ، فردّوا عليه السّلام ، فقال : هل هاهنا موضع نظيف يمكن الإنسان أن يموت فيه ؟ . فأشاروا عليه بمكان فيه عين ماء . فجدّد الفقير الوضوء ، وركع ما شاء اللّه تعالى ، ثم مضى إلى المكان الذي أشاروا إليه ، ومدّ رجليه ، ومات . وقال ممشاذ : طريق الحقّ بعيد ، والصّبر مع الحقّ شديد « 1 » . وقال : جماع المعرفة صدق الافتقار إلى اللّه تعالى « 1 » . وقال : ما أقبح الغفلة عن طاعة من لا يغفل عن برّك ! وما أقبح الغفلة عن ذكر من لا يغفل عن ذكرك « 2 » ! . وقال : من يكن اللّه تعالى همّته لم تستطعه الأقدار ، ولم تملكه الأخطار « 3 » .
--> ( 1 ) طبقات الصوفية 316 . ( 2 ) طبقات الصوفية 317 . ( 3 ) طبقات الصوفية 317 ، وفيه : لم تستقطعه الأقدار .